فخر الدين الرازي

117

تفسير الرازي

في قوله * ( فاكتبوه ) * إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن النظم بذلك الحسن الثالث : أنه تعالى ذكره للتأكيد ، كقوله تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * ( الحجر : 30 ) ( ص : 73 ) * ( ولا طائر يطير بجناحيه ) * ( الأنعام : 38 ) الرابع : فإذا تداينتم أي دين كان صغيراً أو كبيراً ، على أي وجه كان ، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس : ما خطر ببالي أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة ، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلو قال : إذا تداينتم لبقي النص مقصوراً على بيع الدين بالدين وهو باطل ، أما لما قال : * ( إذا تداينتم بدين ) * كان المعنى : إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد ، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين ، ويبقى بيع العين بالدين ، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير . السؤال الثالث : المراد من الآية : كلما تداينتم بدين فاكتبوه ، وكلمة * ( إذا ) * لا تفيد العموم فلم قال : * ( تداينتم ) * ولم يقل كلما تداينتم . الجواب : أن كلمة * ( إذا ) * وإن كانت لا تقتضي العموم ، إلا أنها لا تمنع من العموم وهاهنا قام الدليل على أن المراد هو العموم ، لأنه تعالى بيّن العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية ، وهو قوله * ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا ) * والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ولم يكتب ، فالظاهر أنه تنسى الكيفية ، فربما توهم الزيادة ، فطلب الزيادة وهو ظلم ، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر ، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دلّ النص على أن هذا هو العلة ، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل ، كان الحكم أيضاً حاصلاً في الكل . أما قوله تعالى : * ( إلى أجل مسمى ) * ففيه سؤالان : السؤال الأول : ما الأجل ؟ . الجواب : الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره ، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل ، وأصله من التأخير ، يقال : أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر ، والآجل نقيض العاجل . السؤال الثاني : المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر المداينة ؟ . الجواب : إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله * ( مسمى ) * والفائدة في قوله * ( مسمى ) * ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً ، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام ، ولو قال : إلى الحصاد ، أو